ملا محمد مهدي النراقي
259
جامع السعادات
عزمه نوع ميل وضعف وتردد ، كان عزمه كاذبا ، إذ التردد في العزيمة يضاد الصدق فيها ، وكان الصدق هنا بمعنى القوة والتمامية ، كما يقال : لفلان شهوة صادقة ، أي قوة تامة ، أو شهوة كاذبة ، أي ناقصة ضعيفة . الرابع - الصدق في الوفاء بالعزم : فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال ، إذ لا مشقة في الوعد ، فإذا حان حين العمل بمقتضاه ، هاجت الشهوات وتعارضت مع باعث الدين ، وربما غلبته بحيث انحلت العزيمة ونم يتفق الوفاء بمتعلق الوعد ، وهذا يضاد الصدق فيه ، ولذلك قال الله سبحانه : " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " ( 1 ) . الخامس - الصدق في الأعمال : وهو تطابق الباطن والظاهر ، واستواء السريرة والعلانية ، أو كون الباطن خيرا من الظاهر ، بألا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به ، لا بأن يترك الأعمال ، بل بأن يستجر الباطن إلى تصديق الظاهر . وهذا أعلى مراتب الإخلاص ، لإمكان تحقق نوع من الإخلاص بما دون ذلك ، وهو أن يخالف الباطن الظاهر من دون قصد ، فإن ذلك ليس رياء . فلا يمتنع صدق اسم الإخلاص عليه . توضيح ذلك : إن الرياء هو أن تقصد غير الله سبحانه في الأعمال ، وقد تصدر عن إنسان أعمال ظاهرة تدل على أنه صاحب فضيلة باطنة ، من التوجه إلى الله والأنس به ، أو السكينة والوقار ، أو التسليم والرضا وغير ذلك ، مع أنه فاقد لها ، لحصول الغلبة المانعة عن تحققها ، أو اتفاق صدور الأعمال الظاهرة بهذه الهيئة من دون أن يقصد بها مشاهدة غيره سبحانه ، فهذا غير صادق في عمله ، كاذب في دلالة الظاهر على الباطن . وإن لم يكن مرائيا ولا ملتفتا إلى الخلق ، فإذن مخالفة الظاهر للباطن إن كانت من قصد سميت رياء ، ويفوت بها الإخلاص ، وإن كانت من غير قصد سميت كذبا ويفوت بها الصدق ، وربما لم يفت بها بعض مراتب الإخلاص . وهذا النوع من الصدق - أعني مساواة السر والعلانية أو كونه خيرا منها - أعز من الأنواع السابقة عليه ، ولذلك كرر طلبه من الله سيد الرسل ( ص ) في دعواته بقوله : " اللهم اجعل سريرتي خيرا من علانيتي ، واجعل علانيتي
--> ( 1 ) الأحزاب ، الآية 23